محمد هادي معرفة

122

التمهيد في علوم القرآن

من عارضه منهم ، كمسيلمة ، جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه وطوى عمّا وراء ذلك من التصرّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني ، كأنّه فطن إلى أنّ الصدمة الأولى للنفس العربيّة ، وإنّما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها ، وليس يتّفق ذلك في شيء من كلام العرب إلّا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع . . . . وأنت تتبيّن ذلك إذا أنشأت ترتّل قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم على طريقة التلاوة في القرآن ، ممّا تراعى فيه أحكام القراءة وطرق الأداء ، فإنّك لا بدّ ظاهر بنفسك على النقص في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن بل ترى كأنّك بهذا التحسين قد نكّرت الكلام وغيّرته ، فأخرجته من صفة الفصاحة ، وجرّدته من زينة الأسلوب . . . لأنّك تزنه على أوزان لم يتّسق عليها . . . . . . وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقى في القرآن ، وأنّه ممّا لا يتعلّق به أحد ، ولا يتّفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلّا فيه ، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعيّة في الهمس والجهر ، والشدّة والرخاوة ، والتفخيم والترقيق ، والتفشّي والتكرير ، وغير ذلك ممّا جاء في صفات الحروف . . . . ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفّى طباع البلغاء بعد الإسلام ، وتولّى تربية الذوق الموسيقى اللغوي فيهم ، حتى كان لهم من محاسن التركيب في أساليبهم - ممّا يرجع إلى تساوق النظم واستواء التأليف - ما لم يكن مثله للعرب من قبلهم ، وحتى خرجوا عن طرق العرب في السجع والترسّل ، على جفاء كان فيهما ، إلى سجع وترسّل تتعرّف في نظمهما آثار الوزن والتلحين . . وليس يخفى أنّ مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته إنّما هو سبب في تنويع الصوت ، بما يخرجه فيه مدّا أو غنّة